الجصاص

549

أحكام القرآن

إسرائيل وجرت فينا " يعنون أن من جحد منا حكم أو حكم بغير حكم الله ثم قال إن هذا حكم الله ، فهو كافر كما كفرت بنو إسرائيل حين فعلوا ذلك وإن كان المراد به كفر النعمة فإن كفران النعمة قد يكون بترك الشكر عليها من غير جحود ، فلا يكون فاعله خارجا من الملة ، والأظهر هو المعنى الأول لإطلاقه اسم الكفر على من لم يحكم بما أنزل الله . وقد تأولت الخوارج هذه الآية على تكفير من ترك الحكم بما أنزل الله من غير جحود لها ، وأكفروا بذلك كل من عصى الله بكبيرة أو صغيرة ، فأداهم ذلك إلى الكفر والضلال بتكفيرهم الأنبياء بصغائر ذنوبهم . قوله تعالى : ( وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين ) الآية . فيه إخبار عما كتب الله على بني إسرائيل في التوراة من القصاص في النفس وفي الأعضاء المذكورة . وقد استدل أبو يوسف بظاهر هذه الآية على إيجاب القصاص بين الرجل والمرأة في النفس ، لقوله تعالى : ( أن النفس بالنفس ) ، وهذا يدل على أنه كان من مذهبه أن شرائع من كان قبلنا حكمها ثابت إلى أن يرد نسخها على لسان النبي صلى الله عليه وسلم أو بنص القرآن . وقوله في نسق الآية : ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون ) دليل على ثبوت هذا الحكم في وقت نزول هذه الآية من وجهين ، أحدهما : أنه قد ثبت أن ذلك مما أنزل الله ولم يفرق بين شئ من الأزمان ، فهو ثابت في كل الأزمان إلى أن يرد نسخه . والثاني : معلوم أنهم استحقوا سمة الظلم والفسق في وقت نزول الآية لتركهم الحكم بما أنزل الله تعالى من ذلك وقت نزول الآية ، إما جحودا له أو تركا لفعل ما أوجب الله من ذلك ، وهذا يقتضي وجوب القصاص في سائر النفوس ما لم تقم دلالة نسخه أو تخصيصه . وقوله تعالى : ( والعين بالعين ) معناه عند أصحابنا في العين إذا ضربت فذهب ضوؤها ، وليس هو على أن تقلع عينه ، هذا عندهم لا قصاص فيه لتعذر استيفاء القصاص في مثله ، ألا ترى أنا لا نقف على الحد الذي يجب قلعه منها ؟ فهو كمن قطع قطعة لحم من فخذ رجل أو ذراعه أو قطع بعض فخذه ، فلا يجب فيه القصاص ، وإنما القصاص عندهم فيما قد ذهب ضوؤها وهي قائمة أن تشد عينه الأخرى وتحمى له مرآة فتقدم إلى العين التي فيها القصاص حتى يذهب ضوؤها . وأما قوله تعالى : ( والأنف بالأنف ) فإن أصحابنا قالوا : إذا قطعه من أصله فلا قصاص فيه ، لأنه عظم لا يمكن استيفاء القصاص فيه ، كما لو قطع يده من نصف الساعد وكما لو قطع رجله من نصف الفخذ لا خلاف في سقوط القصاص فيه لتعذر استيفاء